على وقع الغياب

لم أفصّلكَ على أبعادِ روحي؛

كنتَ حاضرًا كشمسٍ تُبلل بلسانها شفق المغيب.

و حين مرّتْ سُورة الصبر على قلبي،

كنتَ تُرتل آياتها و شجوكَ كان رجيعُ صداي.

الأمنيات التي عقدناها بشريطٍ أزرق على ضفيرة الزمان،

الأمنيات البيضاء؛ لا زالت متكوّمة خلفَ ظِل الأمل.

و حينَ كُنا نرسم على جدار القمر همسنا، كنا نحلمُ ببيتٍ فيه

بيتٍ لم يسكنه الحزن!

في ليلةٍ غاب عنها القمر، قال الغريبُ الذي فيك:

لا شيء يدقُ نواقيس وحشتي في هذا الزمان إلا غِيابك.

لا الزمان يعرفني و لا المكان.

آثار خطواتي فيهما تمحوها عاصفة ثلجيةٌ من الغربة.

أنا غريبٌ في الزمان.

و رغم اكتظاظ الناس حولي، أنا وحيدٌ في المكان.

و أنا بلا رؤاكِ، ورقةٌ أبعدتها الريح عن شجرة الليمون القديمة.

في ليلةٍ غاب عنها القمر،

قالت الغريبة التي تسكنُ خلف ضِلعي:

أنا بلا وجه حين تنكرني مِراياكَ القديمة.

أنا بلا صوتٍ حين لا ترتدُ موجاتي على جدران قلبك.

أنا في ضياعٍ في ذي المدينة و أنت أنسي.

Advertisements

حتى لا يكون الشهداء أرقامًا

في إثر استشهاد السيد ناصر العلوي

ما أقل باكيك !

فسيبقى دمكَ شاهداً في ملحمة التاريخ على صراعٍ لم ترفرف روحكَ يوماً فيه ..

أنصار الثورة سيلعنون النظام و يده الغاشمة و أهدافه الدنية في بثّ الفرقة و إشعال فتيل الطائفية .

التكفيريون سيهللون فرحاً و يكبرون ثلاثاً ، قد قضي على واحدٍ من ألوية الشرك في بلاد بارك الله ولا بد من تطهيرها !

أنصار النظام ستتجه أصابعهم لجنود الثورة الذين يتشدقون ببطولاتهم حيناً ، وحيناً يتبرأ بعضهم من دمٍ غرقت أيديهم فيه !

العروبيون لن ينسوا أصلك الأعجمي ، و سيلقون اللوم على أبيك القندهاري الذي ترك الديار حاملاً علمه و أحلامه ليحط في بلاد لم تنبت يوماً إلا الياسمين ولن تشفع لك شهادةُ ميلاد تثبت أنك لم تعرف وطناً سواها .

بني جلدتك بعضهم سيلوذ بالصمت ، لئلا ترميهم سهام الكلام بالاتهام لهم بالانحياز !

وبعضٌ آخر سيتجاهلك ، لأنك تختلف معه في المنهجية و الفكر ..

و الآخرون سيذكرونك ؛ إخفاتاً كعادتهم لئلا تخدشُ آهاتهم آذان قومٍ لم يحفلوا بك يوماً و لن .

سيتجاهلك البعض ، فلون عمامتك الأسود يذكرهم كم أنت مختلف حد انزعاج أعينهم من ذيّاك الاختلاف !

وحدهم سيبكونك

أولئك الذين جرى عطاء الله يديك فطالهم دون مقايضةٍ أو أجر

وحدهم سيبكونك .. من تلمسوا نداك خُلقاً و يدًا بيضاء ..

أما أنا التي لم تعرفك سأكتفي بالغصّة ، لأنك كما غيرك من الشهداء في كافة الأصقاع ،

قد جهلتكم أحياء و لم أعرفكم إلا حين سالت منكم الدماء !

و سأكتفي بحوقلة يتيمة أتبعها بـ ( و ليعلَم الله الذين آمنوا و يتخذ منكم شُهداء ) .

 

 

الشهداء جرحك

image

تستيقظُ صباحًا؛ تلملمُ ما تساقطَ مساءً منك!
جدران رُوحك في حالة اصطباغ بالدم-دمٌ سميّ بدم الشهداء-
الثقبُ الذي تم إحداثه في قلبك لا زال ينزف!
و حكايا الحزن/ الغبن التي تلوك قلبك؛ تتكوّم خلف وجهك..
تلبسُ وجهًا آخر
وجهًا يخفي ملامح الوجع، و أنّى التفت ترى الدم النازف عبيطًا حولك!
تُعددُ الأسماء: ناصر.. محمد .. علي.. منيب.. زهير………
خلفَ كُلِّ نِداء تنهمر قطراتٌ من الدم..
تنظرُ خلفك.. تنظرُ ميلادَ نهرٍ من وجع..أحمر!
تعددُ الأسماء: ناصر.. محمد.. علي.. منيب.. زهير…………مرسي..
تتوقفْ، تُدرك جيدًا أن هذه الأسماء التي لم تعرفها قبلًا؛ ليست رقمًا
هذه الأسماء التي تحترف تعدادها لئلا تخونك الذاكرة.. لن تكون رقمًا
لا قلب لك هذا الصباح..
لا قلب لك إذ أشعلته إيقونة وفاء لدماء الشهداء.
لا قلب لك هذا الصباح..
لا قلب لك إلا ما يحاصره هذا الدم
لا قلب لك – بعد هذا الدم- كل صباح!
و عليك أن تقطب فيه هذا الجرح الذي لا يندمل
و تلمّ شعثَ الرُوح
لئلا تنفرط من بين يديك قطرةً واحدةً من دمائهم.

فقط لأنك فيها

أحبُ الحياة ..
لأنك حين تمنحني فيها وجهاً آخر ..
أكثرُ بياضاً من ندفة ثلجٍ بِكر .. سقطتْ في نقاء طبيعة ..
يضمحلُ أمام روحي كل شيء .. وتتلاشى كل البقع السديمية أمام
وهج حضورك ..
فـ : أحبُ الحياة ..

و أحبها ..
حين تمرر برقةٍ .. دون إدراك مني .. دون أدنى انتباه ..همسة كملمس
الحرير … تدفعُ حواسي للخدر الملتّذ بنعومة..
فأكاد أراقص الغيوم ..
فلأنك هنا .. أحب الحياة ..

ولأنك حينَ تتغلغل مسامي بلمسةٍ حنونة .. ترقصُ الألوان طرباً
مؤتمرةً بإشاراتك .. لترسم في قلبي لوحة ربيع تكادُ تنسيني أن الشمس
تغيب .. أو تختبئ خلف سحابات الهمّ … فأحبُ الحياة ..

و أحبها حين يفترُ مبسمك عن ضحكةٍ تتنافس عليها أحرف النوتات ..
لتصوغَ منها لحناً لا يشبهه إلا أنت ..يخترع السلّم الثامن .. يدفعُ الموجودات للرقص في السماء الثامنة .. فأحبها ..

و أحبها ..
ساعةَ ألتقيك .. فأتجرّد من كل شيءٍ إلا معناي الأول .. و
أعودُ إلى باكورة أناي .. لا أكاد ألامس الأرض ..
وتكاد تحملني السماء ..

و أحبها ..
حين تلامس وجهي روحُك.. فتنتشي ذراته بالخمرة المُطهرة ..
بينما أجد الأشياء .. كل الأشياء حولي.. حتى البسيطة منها ..
تستبقُ لهفةً علّك تجود عليها بلمسة ..
و إن كانت من باب الصدفة !

و أحبها ..
حين تمتزجُ أنفاسها بهوائك .. فيصبح لكلِ شيء نكهةٌ أخرى
ولكل عطرٍ نفحةٌ أخرى ..
ولكل شيءٍ .. شيءٌ آخر يفوقه عبقاً ولذة !

و أحبها ..
حين تختفي ملامحي .. ويصيرُ وجهي منثوراً على فضاء الأوهام ..
فأجري نضال البحث عن سمةٍ تعيدُ إلي سمةَ المعنى ..
فلا أرى إلاك ..

و أحب الحياة ..
فقط لأنك..فيّ..
فقط لأنك فيها !image

أين تركت قلبك

أين تركتِ قلبك ؟
هل مارست عليه الأيام دقائقها ..
و ألفتكِ على موجةٍ أخرى .. تستوحشين فيها
من بدائيات العتمة !
أكنتِ الليل الأبيض المكسّو بعطر الحنين ..
يملأ أجواء فضائكِ .. شجواً يداعب روحك
لتستقطبك موانئ الروح وتدير سواقيك رياحها !
و ذاكرتكِ الملأى .. ماذا ارتدت حين استيقظ في أفقكِ وجهٌ
لم تلامسه الأشواك ..
ماذا سكن روحكِ ذات تلبس بلعنة الذات
المنفية عند تخوم الحياة !
هل مارستِ إنسانيتكِ لحظةَ كنتِ فيها سيدة المواقف المبهمة في وجه الضياع .
أنتِ يا أنثى الوجع واللذة ..
وابنة الروح الساكنة في فضاءات التشرّد الإنساني
ذات يقين كنتِ أنت !
و ذات وهم
لبستِ ذوات الآخرين !
image

قناديل الحب

ذيّاك المساء..

ذيّاك الذي قلتَ لي فيه
أن في الياسمين عِطري..

أن في بقية الأحلام بيننا..
وهجُ الشمس..
أنّ في القمر المتربع في عرش السماء، سِحري!
ذيّاك المساء
حين خجلت نجمةٌ من وهجٍ يتوقد
فتدارت
و ارتبكت جدائلُ شَعري عند شِعرك
ذيّاك المساء ..
الذي كان لنا فيه أمنيات
كان لنا فيه صندوقٌ أزرق
خبئنا فيه بعضُ الخيبات
ذيّاك المساء
قلنا فيه للريح
للحبٍّ جدورٌ ترويها أعماقُ القلب
قلنا يا ريح!
خذي ما تقتلعينه في طريقكِ
خذي شيئا من هذا الدرب
و انظري
ها هنا.. عرائشٌ للورد
ها هنا .. قناديلٌ للحب
لن تطفئها الريح! image

زهرة جورية ..اسمها آيات .

 

 

 

آيات* ..

صوتٌ نادى ..

بين حنايا شعبٍ مظلوم

أني لحنٌ

نغمٌ يتهادى

من حنجرة الحق المكتوم ..

آياتٌ .. آية

كتبت ذات مساء أنّ

الليل الأسود ..

يحكي للظُلمة ..

يحكي لكل غيوم العهر ..

أن الفجر سيأتي ..

خلف العتمة ..

و الضوء الأحمر يُشرق ..

عند سواعد مُثلى ..

لا يكسرها القهر

قادمٌ .. من قلب صبيةٍ ثكلى

من دمعةِ أم ..

خلف رجالٍ يكتبون الشمس

ونساءٍ كالزهر

 

آياتٌ .. قيدٌ

قيّد سجانيه بسحر ..

داس بإباءٍ ..

فوق أقانيم الكفر

 

آياتٌ نجم ..

يحكي للكون ..

قصةَ شعبٍ ثار بفخرٍ

يكتب للتاريخ

أن الصوت أنّى غُيّب

أنّى قُيّد

يبقى حُر ..

 

آيات.. حورية

بين صفوف الشعب

نبتت.. كبرت

صارت جورية ..

كتبت في ذاكرة الأزمان ..

سيبقى  حياً .. سيبقى حرٌ

ذيّاك الشِعر !

 

—-

*الشاعرة  آيات حسن القرمزي .. 20 عاماً

الحكم : السجن لمدة عام كامل .

التهمة : التواجد في دوار الشهداء في البحرين و إلقاء قصيدة هجاء للملك و رئيس الوزراء .

والتحريض على كراهية النِظام .

 

 

 

نزهة وذكرى

كُتب هذا النص في أواخر العام 2002م .. مرّت السنوات و لم أغيّر فيه كلمة .. لأنه ” بمثابة الذكرى ” التي لا أريد تشويهها أو إنقاصها ” …تحية لجدي الذي كُتب هذا النص قبل مرضه و وفاته !

نزهة وذكرى

 

انطلقت بنا السيارة بهدوء .. كانت العاشرة والنصف مساءً , نسمات الهواء الصيفية العليلة تداعبنا من فتحات النوافذ , الجو معتدل , ولذا فضلنا جميعاً أن نستمتع بالهواء ونقاءه بعيداً عن جهاز التكييف ..

كنا جميعاً نشعر بالملل , هنا قال أخي الأكبر : ما رأيكن أن نتمشى بالسيارة ؟

باستحسان رددنا جميعاً نحن الفتيات .. فمن الذي يرفض الخروج وتغيير الجو في ليالٍ صيفية منعشة ؟!!

سارت بنا السيارة بهدوء في شوارع قريتي الحبيبة .. وببطء أختار أخي الطريق

الزراعي الذي يؤدي للمدينة , وبالتالي للبحر …

آهٍ لكم أحب هذا الطريق الزراعي , كم أحمل من ذكريات رائعة عنده , كم أعشق مسيري بالسيارة فيه !!

ما إن بدأنا ولوجه حتى فتحت غطاء وجهي .. هذا الشارع كم من الجمال يحمل .. يخلو من الناس ويندر أن تتواجد فيه السيارات , و إن تواجدت تلوح أنوارها من بعيد لنسدل خمارنا مسرعات قبل أن يلمحنا السائق في عتمة الليل ….

كان الصوت الصادر من مسجل السيارة إضافة لذلك الشارع , ينقلني لذكريات

محببة .. لذكريات غالية …

شريط قديم .. ظهر منذ خمس سنوات , مرت فترة طويلة على آخر مرة استمعت له فيها .. رغم أنه محبب عندي .. كان صالح درازي يشدو فيه بصوت قوي

, حزين , جهور , ليجعلني أرحل للبعيد معه ..

 

” زينبٌ إن دنياي حقاً ظالمة “

” فأنيري إليّ الدروب المظلمة “

 

رائحة تراب الأرض تعطر الهواء الذي أتنفسه , للأرض رائحة لا يقدرها إلا من يعشقها… رائحة الرطب المتدلي فوق النخيل بجمال .. تتسرب إلى الأنف بعذوبة ..

نقترب من نهاية الموسم , لم يبق من الرطب إلا القليل , أنواع لا تنضج عادةً

إلا متأخرة ذات ألوان أحمر و أصفر و أرجواني وبني .. ( هلالي , شهل , خنيزي ) ..

رائحة الرمان والرياحين .. الجوري .. الفل .. الليلك .. الورد المحمدي ” ورد مايو “..الياسمين .. اللوز ..الليمون .. المنبثقة من على جانبي الشارع تتسرب لنا ببساطة .. رائحة التراب الذي أختلط بدماء وعرق أصحابه .. أجدادهم رعوها بدمائهم ضد سلب ونهب العثمانيين وغارات قطاع الطرق .. وهم يحافظون عليها بكل ما أوتوا من قوة , لتنتقل من جيلٍ إلى جيل .

صوت نقيق الضفادع المنبعث من القناة المائية وصوت أبو زنة ” الحشرة السوداء ” يختلط مع صوت المسجل بتناغم تام .. لكم لي في هذا الشارع من ذكريات!!

 

خرجنا من الطريق الزراعي .. وبدأت السيارة تقطع الشوارع العامة محافظة على هدوءها .. والصوت منها يصدح ..

 

” ما لأوتاري لا تشدو بغير الشهقات

تهت في الدنيا وما جئت بغير الحسرات

ودمعي هاتن … وروحي خارجة

ونحري ساخن .. جراحي ناضجة

صل يا قلبي إلى الله فإن الموت آت

صل فالنازع لا تبقى له غير الصلاة “

 

أحفظ هذا الشارع بكل رقعةٍ فيه , كنت أمر به يومياً للذهاب للمدرسة والعودة منها..

كنت أتأمله سارحة بأفكاري ..

كم أتوق لنفسي طالبة , أتعثر بمريولي الرمادي الطويل .. أشتاق صديقاتي ..

لبراءة تلك الأيام .. لشغبها المجنون .. أشتاق صديقتيّ اللتين فارقتهما منذ أعوام !!!

 

وصلنا للبحر المزدحم .. بالصغار قبل الكبار , وبمجموعات الشباب المتناثرة

هنا وهناك , يتحّلقون حول ” الشيشة ” , وبعضهم يطرب مع صوت المغني الصادر من المسجل الذي يأتون به عادة …

قلةٌ من العائلات تأتي لهذا الشاطئ .. فهو مزدحم بالكثير من الشباب .. وهذا يعني أنهم لن يأخذوا راحتهم ..

لذا فضّلنا جميعاً تأمل البحر .. في سيارتنا الماضية بهدوء ..

في الشارع المتصل بالشاطئ , وحيث الصوت لا زال يعزف على أوتار الروح

 

” و اقرأ الآلام فيها …. بنجيع العبرات

أسطراً تلهب رعباً …. لمعاني الكربات

قد رماني الدهر سهماً .. بأدق الفلجات

كل يومٍ أتلقى    … منه أعتى الضربات

فمللت الليل حيناً …. هل فضاء النصر آت “

 

الأنوار البرتقالية والبيضاء تنعكس على صفحة البحر بهدوء ..

كسلسلة منظومة , تهب البحر جمالاً وبريقاً ..

والبحر , عشقٌ لمن يجيد مناجاته , أمواجه المتحركة ببطء تصدر موسيقى

رقيقة عذبة تبعث على الهدوء , تدعوني لمناجاتها ..

يا بحر .. كم تحمل من آلام يبثها لك البشر!! ..

 

سيارات الآيسكريم تنتشر في كل بقعة .. كثيرٌ من الشباب يعيشون من دخلها ,

ويعيلون أسرهم , بعد أن لم تنفعهم شهاداتهم الجامعية في الحصول على وظائف,

ولابد أن يكفوا ” أمهم و أخوتهم ” الحاجة للغير , فليكن أي عمل , ولينسوا شهاداتهم ..

 

سكون الليل يهب البحر سطوةً وسِحر ..

البحر يترنم بهدوء , ورغم ضجيج رواده , لازال يمنحهم السكون ..

 

انتهى الشارع , ومضينا في طريق العودة .. الشوارع هادئة ..سيارات قليلة تمضي فيها ..

وصلنا لشارع العودة .. الطريق الزراعي الآخر .. حيث لا تتوسطه قناة مائية

وينفرد للعودة فقط ..

ومن رائحة البحر .. إلى رائحة التراب .. ورائحة النخيلات اللاتي انتشرن على جانبي الشارع بكثرة ..

الحشائش التي نمت واستطالت .. حتى إن المرء يستطيع الاختباء بينها وهو واقف ..

 

وصلنا لقريتي الغافية تحت ستار النجوم .. وتوجهنا للمزرعة , لكم اشتقت إليها ..

بهدوئها المعتاد سارت السيارة وتوقفت بنا عند الباب الخارجي ..

توجه أخي لفتحه حيث الصوت لازال يشدو

” قد رأينا الفجر في ليل الدجى مرسوما

و أخذنا الصبر من زينبنا ناموسا

وجهاد السبط قد صار لنا قاموسا

يبطل الشعر إذا ألقى عصاه موسى “

 

دخلنا المزرعة .. ونزلنا من السيارة .. نحن ..يرافقنا أخينا الأكبر ..

تحت جنح الظلام , أمسكت بيد عقيلة والتي انزعجت منه , رغم أن النجوم

تنشر شيئاً من النور ..

وصلنا لمنتصف الشارع بالمزرعة .. و أضاء أخي الأنوار .. كان كل ما في المزرعة هادئ وساكن..

مشينا بين أشجار التين والنارنج , والنخيلات اللاتي هنا وهناك , أشجار الليمون

والرمان , والترنج , أزهار السوسن والفل , والزينة .. والرياحين المتناثرة ..

قطفنا منها القليل .. صرت أبحث عن الريحان العبق أقطفه لأهبه لعقيلة ..

والتي سعدت به ..

عقيلة ما رأيك أن تطعمي البقر بعض الدخن ” نوع من الحشائش ” ..

لا ..لا .. لا .. شكراً لن أفعل ..

يستحيل على عقيلة أن تفعلها .. أعرفها ..

يا عقيلة الأمر ممتع وغير مخيف ..جربي ..

لا .. لا .. لن أفعل قلت لكم ..

صدقينا , يلاّ جربي , … بدأت تحتج بشبه بكاء ..أوه ..قلت لكم لن أفعل ..

وبين إلحاحنا واعتراضها .. طلب منها أخي مرافقته ليطعم البقر ..أمسك بيدها الصغيرة وذهبا.. حسناً هذه الطفلة الصغيرة العذبة بكل ما فيها , سحر عينيها وابتسامتها ..

 

لا زلت أتلمس أوراق الشجيرات الصغيرة , لأعرف ما زرع جدي مؤخراً

ولأميزها من خلال الظلمة ..هنا أشجار تين .. وليمون .. ورمان .. وملوخية

وتوت ..

 

المذبح الصغير ..الذي بني .. وفيه شهدت لأول مرة في طفولتي ذبح الماعز الأم ..والتي ظل صغيرها بعدها يتيماً .. لازالت الصورة عالقةً بذهني .. فضولي الشديد كان يدفعني للرؤية ومشاهدة منظر الذبح ..

كانت النتيجة ببساطة أنني منذ ذلك اليوم , حرّمت على نفسي أكل اللحم ..حزناً

و ألماً واعتراضاً على قسوتنا نحن البشر!!

نقتل لنتمتع بالأكل .. حين كبرت .. رأيت الكثير من القتل , بنزف الدماء ونزف القلوب ..  و كم رثيت إنسانيتنا المستباحة!!

 

بقت عقيلة على الأرجوحة , تركناها حتى تأخذ كفايتها من اللعب .

بعدها قررنا العودة ..خرجنا من المزرعة ونحن نتأمل النجوم التي تزين السماء بروعة ..الريحان بيدنا يشعرنا بالنشوة .. انتشرت رائحته في السيارة

والتي عندما دار مفتاحها صدح الصوت

 

” ما أسولف لك على قلبي اش تحمل

يا العزيز اسمع مآسيّ وتأمل

شاشتكي وش أبتدي من أي مصيبة

أختنق بالعبرة والمدمع تهلل

ذوبتني حنّة أطفالك يا مبرور

وما يهمني السوط عل ظهري تحول

 

 

                                               3 / 9 / 2002 م

 

موت الرياحين

للذي ..

داعب براحتيه الماء ..

فصار لحناً

وانحنت عند كفيه الحمائم

شجواً وحزناً

لـ .. شكري

أشجاني و شكري ..

*

وجهك ميلاد لحقيقة

حينما ..

غرّد الدم في جنبيك

لحناً للولاء

والحشود .. تلك التي

احتضنت أياديك بيضاء

نادت ..

ها هنا .. ها هنا ..

يصبحُ الحزن تجلي للسماء .

لم يزل

خلف مبسمك الغّر

ألفُ آهة

ألف ترتيلة أخرى

تهادت كانتماء ..

وجهك البسّام في عتمة الحزن

شقّ أجنحة الظلمة

وزهواً ..في دجاها .. قد أضاء

والليالي

مسكونةٌ ببعضك

صلّت .. خلف ظِلك

خلف قلبك

بين حناياك

ترجوك .. بسملةً .. فاتحةً . أو دعاء

لم تدع لها وحشة الفقد

باباً

لم يدعها الحزن ترسو

عند ميناء الهناء

وقفت ..تسأل خوفاً .. ما درت

أن أصواتك كانت

موجةً لم يلامسها الزبد

لا توارت

أو تهاوت

أو عراها الانحناء ,,

ما درت

كيف دارت تحت إصبعك الشمس

واستراحت بين كفيك

كل زهرة

أنبتت خلفها .. ألف بذرة

تستقي منك غمام الروح

تقتات من صمتك

حنو البوح

و تصلي : أنك الوجه الخالد

سجدة الشُكر للدماء !

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم.. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑